|

مما لا
شكّ فيه أنّه ما من كتاب ظهر على وجه الأرض قد حظي باهتمام
كبير ، ونال مكانة في نفوس الخليقة مثل ما حظي به القرآن
العظيم . حيث ترك أثره في تصوّرات الإنسان وفكره ومعتقده ، ولم
يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وتناوله بالبيان الواضح الذي
لا غموض فيه .
ولذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب الكريم في القديم والحديث ،
وألّفوا حوله الآلاف المؤلّفة من الكتب والدراسات ، وصنّفوا ما
لا يُحصى من علومه ،
وبسطوها بسطاً وفيراً ، ليس من غرضنا أن
نعرض له هنا . على أنّه من العلوم التي حازت نصيباً كبيراً من
تراث علمائنا الفكري ، والذي حشد له علماؤنا جهوداً جبّارة ،
وقدّموا عليه أدلّة عظيمة ، كان العلم في إعجاز القرآن .
ومع أنّ كلمة "إعجاز" لم ترد في القرآن الكريم ، ولم يحدّثنا
التاريخ عن مصنّفات لهذا العلم في عهد الرسول الكريم صلى الله
عليه وسلم ، إلا أنّ التأليف فيه قد برز بكثرة في نهاية القرن
الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة النبوية المباركة
. وذلك أنّه بتوالي الأزمان ، وازدياد اختلاط العرب بثقافات
الأعاجم ، فقد ظهر مِن الملحدين مَن أثاروا شكوكاً حول القرآن
، وسدّدوا نحوه بعض المطاعن ، ولَغَوْا فيه ، ثم قَضَوْا عليه
بالاختلاف ، والاستحالة في اللحن ، وفساد في النظم ...
فتصدّى علماء المسلمين لتلك التيارات الفكرية المغرضة ،
وقدّموا الأدلّة الراسخة والبراهين الدامغة على أنّ القرآن
"معجز" . هو كذلك لأنّه أوقع بالمنكرين العجز والضعف والقصور ،
فلم يستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثله ، ولا حتى الإتيان
بسورة واحدة من مثله . فدلّ ذلك على أنّه كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وجملة الأمر أنّ المعجزة مأخوذة من العجز . وهو في اللغة :
التأخّر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر ، أي مؤخّرته
، وصارت اسماً للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضدّ الحزم والقدرة
.
وقد وضع
العلماء لها شروطاً ، ومنها : أن تكون أمراً خارقاً للعادة
مقروناً بالتحدّي وسالماً عن المعارضة
. فهي إذن كلّ أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدّعي النبوّة عند
تحدّي المنكرين ، على وجه يعجزهم عن الإتيان بمثله
.
ومن المعلوم في التشريع أنّ كلّ رسول كان يحمل بين يديه آية
معجزة إلى قومه ، يلقاهم بها متحدّياً ، لتكون هي دليله
القطعيّ على أنّه مبعوث من الله سبحانه وتعالى . فالمعجزة هي
البرهان الذي يؤيّد الله بها رسوله المبعوث لإثبات مصداقيّة
المنهج الذي يحمله . وهي تكون إمّا حسيّة وإمّا عقلية
.
فالمعجزات الحسيّة هي كلّ ما أوتيه الأنبياء من آيات قبل نزول
القرآن كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء الموتى بإذن الله على
يدي عيسى عليهم الصلاة والسلام . وسُميّت هذه المعجزات
بالحسّية لأنّها انقرضت بانقراض الأجيال المعاصرة لهؤلاء
الأنبياء ، فلم يشاهدها بالأبصار إلا مَن حضرها . وأمّا
المعجزة العقلية فهي متمثّلة بالقرآن الكريم لأنّها مستمرّة
إلى قيام الساعة ، فلا يمرّ عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء
يدلّ على صحّة دعواه ، فيبقى معجزة مشاهَدة بعين العقل لكلّ
عصر ولكلّ جيل .
وقد يقول قائل : إذا كان القرآن كتاباً سماوياً ، فما الوجه
الذي يفرقه عن غيره من الكتب السماوية ؟ أو لماذا كان القرآن
معجزاً دون سواه من هذه الكتب ؟ وإذا كان القرآن معجزاً ، فما
السبيل إلى معرفة وجه إعجازه ؟ وما الحدّ الأدنى لمقدار
الإعجاز فيه ؟
فنقول : أما الجواب عن السؤال الأول ، فمن عدّة وجوه ، ويكمن
أهمّها في الفرق بين المعجزة والرسالة . فقد بعث الله الرسل
لهداية أجيال محدّدة ، في أزمان محدّدة ، وفي أماكن محدّدة ،
وأيّدهم برسالات لتكون هي منهج الحياة والتشريع ، ثمّ أيّدهم
في الوقت نفسه بالمعجزات لتكون دليلاً على صدق دعواتهم .
فمعجزات موسى وعيسى عليهما السلام شيء ، ومنهجهما المتمثّل
بالتوراة والإنجيل شيء آخر . أمّا خاتم الأنبياء والرسل نبيّنا
محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد بعثه الله تعالى هدًى ورحمة
للعالمين مؤيَّداً بالقرآن العظيم ، ليكون المنهج القويم
والتشريع الخالد لأمم العالم أجمعين ، وليكون في الوقت نفسه
المعجزة الخالدة إلى يوم الدين ، فهو إذن معجزة ومنهج في آن
واحد .
وأما الجواب عن السؤال الثاني ، فهو أنّ قضيّة الإعجاز قد فرضت
نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين ، كما ذكرنا ، إلا
أنّ أقوالهم تعدّدت في وجوهها . وأيّاً ما قالوا فيها ، فإنّ
الأمر الذي لا ريب فيه هو أنّ إعجاز القرآن من جهة البلاغة
والفصاحة لم يكن قطّ موضع جدل أو خلاف
، وإنّما كان الجدل بين أهل النظر في اعتبار القرآن معجزاً في
غير ذلك من مختلف الوجوه
.
ففي حين أنّ طائفة من العلماء اقتصرت إعجاز القرآن على بلاغته
وفصاحته ، رأت طائفة أخرى أنّ القرآن معجز أيضاً فيما تضمّنه
عن الأخبار الماضية والمستقبلية . ورأت طائفة أخرى أنّه معجز
فيما قرّره في تشريعه وتبيينه للحلال والحرام وسائر الأحكام .
ورأى آخرون أنّ من إعجاز القرآن المناسبات العجيبة بين سوره
وآياته من فواتح السور وخواتيمها . ورأى البعض أنّ القرآن معجز
فيما تضمّنه من العلوم والحِكم البليغة على اختلافها .. حتى
أنّ بعضهم ذكر أربعين وجهاً من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم
.
وبالجملة فإنّ المتأمّل في الأدلّة والبراهين المتعدّدة التي
قدّمها علماؤنا لإظهار إعجاز القرآن ، يجد فيها من البيان
وتوافر شواهد الصدق ما يكفي لإقامة الحُجّة على الناس ، بأنّ
هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام بشر ، وأنّه تنزيل من الله
العزيز الحكيم سبحانه .
ولعلّ اختلاف العلماء حول وجوه الإعجاز يرجع في الحقيقة إلى
أنّ
دراسة النصّ القرآني الكريم قد تأثّرت _ من حيث النشأة
وامتداداتها _ بالمناخ الثقافي السائد في كل عصر وزمان . فما
من شكّ أنّه بدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية ، وتكرار
تأمّل المتأمّلين في كتاب الله العظيم ، وتدبّرهم لآياته عصراً
بعد عصر ، وجيلاً بعد جيل ، يفتح الله تعالى على العلماء
باكتشاف حقائق ومستجدّات ، لم يتنبّه إليها المتقدّمون من
السلف
.
فالقرآن الكريم معجزة تخاطب كلّ عصر بما برع فيه أصحابه ،
ولذلك يبقى عطاؤه دائماً لا ينقطع ، ليجد فيه كلّ جيل حاجته
ومحجّته . يقول الله تعالى :
(
قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي
وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا
)
[الكهف: 109] . حقّاً ! فلو كانت بحار الدنيا حبراً ومداداً ،
وكُتبت به كلمات الله وحِكَمه وعجائب قدرته ، لفني ماء البحر
على كثرته وانتهى ، وكلام الله لا ينفد ، لأنّه غير متناهٍ ،
كعلمه سبحانه وتعالى .
وفي هذا يقول الزرقاني
رحمه الله
: "لقد اشتمل القرآن على آلاف من المعجزات ، لا معجزة واحدة
فحسب . فلم يذهب بذهاب الأيام ، ولم يمت بموت الرسول صلى الله
عليه وسلم ، بل هو قائم في فم الدنيا يجابه كلّ مكذّب ،
ويتحدّى كلّ منكر ، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من
هداية وتشريعات ونظم تكفل السعادة لبني الإنسان"
. ولذلك نجد أنّ دائرة الإعجاز القرآنية تتجلّى عبر الأزمان
بأوجه مختلفة ومتعدّدة ، "بحيث لم يجد العلماء موضوعاً من
مواضيع المعرفة الإنسانية إلا وكان القرآن عليه دليلاً"
.
ولعلّ في هذا التعليل نكتة نفيسة ، ونحسبها السبب الرئيس في
إقرار العلماء بأنّ "علوم القرآن وإنْ كثر عددها وانتشر في
الخافقين مددها ، فغايتها بحر قعره لا يُدرك ، ونهايتها طود
شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أنْ يُسلك . ولهذا يُفتح لعالِم بعد
آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"
. وقد يلتمس القاريء أبعاد
هذه الحقيقة إذا وقف على كتب الإعجاز في القرآن _ قديماً
وحديثاً _ فإنّ ممّا يلفت الانتباه فيها تصريح كلّ مؤلّف أنّه
جاء بشيء جديد ، لم يسبقه إليه أحد من قبل .
ــــــــــــــــ
بقلم لؤي غازي الطيبي
info@al-i3jaz.com
|
|
|
د. مصطفى مسلم ، مباحث في إعجاز
القرآن ، ص 46 .
|
|
ابن منظور ، لسان العرب ، مادة
(عجز) .
|
|
الراغب الأصفهاني ، المفردات في
غريب القرآن ، مادة (عجز) .
|
|
جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ،
2/311
.
|
|
مجد الدين الفيروز آبادي ، القاموس
المحيط ، مادة (عجز) .
|
|
جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ،
2/311
.
|
|
عبد القاهر البغدادي ، الفَرق بين
الفِرق ، ص 394 .
|
|
د. عائشة عبد الرحمن ، الإعجاز البياني للقرآن ، ص 82 .
|
|
بديع الزمان سعيد النورسي ، الكلمات ،
1/421
.
|
|
انظر : شواهد في الإعجاز القرآني
للدكتور عودة أبو عودة ، ص 19 .
|
|
محمد عبد
العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ، 2/232 .
|
|
جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ،
2/338
.
|
|
جلال الدين السيوطي ، التحبير في علم التفسير ، ص 28 .
|
|
|
|